الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
278
تفسير روح البيان
ان النبي عليه السلام لم يأكل الطحال ولا الكلية ولا الثوم وان لم يمنع عن أكلها فالأولى ان لا تؤكل اقتفاء لاثره ثم قيل في وجهه ان المنى إذا نزل لم ينزل الا بعد اتصاله بالكلية . واما الطحال فلأنه من أطعمة أهل النار كذا في واقعات الهدائى قدس سره ومن امتنع من الميتة حال المخمصة أو صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوي حتى مات فإنه لا يأثم لأنه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج * وذكر في الأشباه والنظائر انه يرخص للمريض التداوي بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين واختار قاضى خان عدمه واساغة اللقمة بها إذا غص اتفاقا وإباحة النظر للطبيب حتى للعورة والسوأتين انتهى ويحل للعطشان شرب الخمر حالة الاضطرار على ما نص عليه في الخانية وما قال الصدر الشهيد من أن الاستشفاء بالحرام حرام فهو غير مجرى على إطلاقه لان الاستشفاء بالمحرم انما لا يجوز إذا لم نعلم أن فيه شفاء واما إذا علم ذلك وليس له دواء آخر غيره يجوز له الاستشفاء به ومعنى قول ابن مسعود رضى اللّه عنه ان اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم يحتمل ان عبد اللّه قال ذلك في داء عرف له دواء غير محرم لأنه حينئذ يستغنى بالحلال * عن الحرام وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم ان شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه كذا في شرح الأربعين حديثا لعلامة الروم ابن الكمال والإشارة في قوله تعالى إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ انه كما حرم على الظواهر هذه المعهودات حرم على البواطن شهود غير اللّه فالميتة هي جيفة الدنيا وَالدَّمَ هي الشهوات النفسانية قال عليه السلام ( ان الشيطان ليجرى في ابن آدم مجرى الدم ) ولولا ان الشهوات في الدم مستكنة لما كان للشيطان اليه سبيل ولهذا قال عليه السلام ( سددوا مجارى الشيطان بالجوع ) لان الجوع يقطع مادة الشهوات وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ إشارة إلى هوى النفس وتشبيه النفس بالخنزير لغاية حرصها وشرهها وخستها وخباثة ظاهرها وباطنها وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ هو كل ما يتقرب به إلى اللّه من الطاعات البدنية والخيرات المالية من غير اخلاص للّه وفي اللّه بل للرياء والسمعة في سبيل الهوى فَمَنِ اضْطُرَّ اما لضرورة الحاجة النفسانية واما الضرورة امر الشرع بإقامة احكام الواجبات عليه فليشرع في شئ مما اضطر اليه غَيْرَ باغٍ اى غير حريص على الدنيا وجمعها من الحرام والحلال وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال وغير مقبل إلى استيفاء حظوظ النفس في الحرام والحلال وغير مواظب على الرياء في الطاعات والخيرات من السنن والبدع وَلا عادٍ * اى غير متجاوز من الدنيا حد القناعة وهي ما يسد الجوعة ويستر العورة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ على من قام بهذه الشرائط إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر للعاملين له بآثار الرحمة والقائمين به بأنوار الرحمة والماحين فيه بأوصاف الرحمة التقطته من التأويلات النجمية * والغفور والغفار هو الذي اظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التي سترها بأسباب الستر عليها في الدنيا والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة وحظ العبد من هذا الاسم ان يستر من غيره ما يحب ان يستر منه وقد قال عليه السلام ( من ستر على مؤمن عورته ستر اللّه عورته يوم القيامة ) والمغتاب والمتجسس والمكافئ على الإساءة بمعزل عن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق اللّه الا أحسن ما فيه كما روى عن عيسى عليه السلام انه مر مع الحواريين بكلب قد غلب نتنه فقالوا ما أنتن هذه الجيفة